محمد بن جرير الطبري
252
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
متجاوز حد شيء إلى غيره فقد تعداه إلى ما جاوز إليه . ومعنى الكلام : فعلت بهم ما فعلت من ذلك بما عصوا أمري ، وتجاوزوا حدي إلى ما نهيتهم عنه . القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا قال أبو جعفر : أما الذين آمنوا فهم المصدقون رسول الله فيما أتاهم به من الحق من عند الله ، وإيمانهم بذلك : تصديقهم به على ما قد بيناه فيما مضى من كتابنا هذا . وأما الذين هادوا ، فهم اليهود ، ومعنى هادوا : تابوا ، يقال منه : هاد القوم يهودون هودا وهادة . وقيل : إنما سميت اليهود يهود من أجل قولهم : إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : إنما سميت اليهود من أجل أنهم قالوا : إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ القول في تأويل قوله تعالى : وَالنَّصارى قال أبو جعفر : والنصارى جمع ، واحدهم نصران ، كما واحد سكارى سكران ، وواحد النشاوى نشوان . وكذلك جمع كل نعت كان واحده على فعلان ، فإن جمعه على فعالى ؛ إلا أن المستفيض من كلام العرب في واحد النصارى نصراني . وقد حكى عنهم سماعا " نصران " بطرح الياء ، ومنه قول الشاعر : تراه إذا زار العشي محنفا * ويضحي لديه وهو نصران شامس وسمع منهم في الأنثى نصرانه ، قال الشاعر : فكلتاهما خرت وأسجد رأسها * كما سجدت نصرانه لم تحنف يقال : أسجد : إذا مال . وقد سمع في جمعهم أنصار بمعنى النصارى ، قال الشاعر : لما رأيت نبطا أنصارا * شمرت عن ركبتي الإِزارا كنت لهم من النصارى جارا وهذه الأَبيات التي ذكرتها تدل على أنهم سموا نصارى النصارى لنصرة بعضهم بعضا وتناصرهم بينهم . وقد قيل إنهم النصارى سموا نصارى من أجل أنهم نزلوا أرضا يقال لها " ناصرة " . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : حدثني حجاج ، عن ابن جريج : النصارى إنما سموا نصارى من أجل أنهم نزلوا أرضا يقال لها ناصرة . ويقول آخرون : لقوله : مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ وقد ذكر عن ابن عباس من طريق غير مرتضى أنه كان يقول : إنما سميت النصارى نصارى ، لأَن قرية عيسى ابن مريم كانت تسمى ناصرة ، وكان أصحابه يسمون الناصريين ، وكان يقال لعيسى : الناصري . حدثت بذلك عن هشام بن محمد ، عن أبيه ، عن أبي صالح ، عن ابن عباس . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة قال : إنما سموا النصارى نصارى لأَنهم كانوا بقرية يقال لها ناصرة ينزلها عيسى ابن مريم ، فهو اسم تسموا به ولم يؤمروا به . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة في قوله : الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى قال : تسموا النصارى بقرية يقال لها ناصرة ، كان عيسى ابن مريم ينزلها . القول في تأويل قوله تعالى : وَالصَّابِئِينَ قال أبو جعفر : والصابئون جمع صابئ ، وهو المستحدث سوى دينه دينا ، كالمرتد من أهل الإِسلام عن دينه . وكل خارج من دين كان عليه إلى آخر غيره تسميه العرب صابئا ، يقال منه : صبأ فلان يصبأ صبأ ، ويقال : صبأت النجوم : إذا طلعت ، وصبأ علينا فلان موضع كذا وكذا ، يعني به طلع . واختلف أهل التأويل فيمن يلزمه هذا الاسم الصابئون من أهل الملل . فقال بعضهم : يلزم ذلك كل من خرج من دين